السيد كمال الحيدري
162
المعاد روية قرآنية
أمّا الأمور المجرّدة فليست كذلك ، إذ إنّ بدأها وحشرها على شئ واحد ، فالإنسان يبدأ طفلًا صغيراً ثمّ يكبر ثمّ يبلغ ثمّ يشيب وهكذا . . . ، والله تعالى يقول في هذه النشأة : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ( النحل : 78 ) ، ولكن أعطاه الله عزّ وجلّ القدرة على التعلّم والسمع والبصر و . . . بعد الذي تقدّم يأتي هذا التساؤل : إنّ الروح الإنسانيّة التي عبَّر عنها القرآن الكريم ب وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى أهي مرتبطة بنشأة المادّة ، فتكون محكومة بأحكام المادّة وقوانينها ونشأتها ، أم هي مرتبطة بنشأة أخرى ، ومرتبطة بما وراء الطبيعة حيث يكون لها أحكام ما وراء الطبيعة ؟ في أبحاثنا حول علم النفس الفلسفي ذكرنا عشرات الأدلّة العقليّة والفلسفيّة التي تثبت تجرّد الروح الإنسانيّة « 1 » . وهنا نحاول الوقوف على بعض الأدلّة المرتبطة بالبحث القرآني ونذكر بعض الشواهد من الآيات القرآنيّة الدالّة على تجرّد الروح : الآية الأولى : وَقَالُوا أَ إِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ( السجدة : 10 ) . من أهمّ شبهات الكفّار المنكرين للمعاد ، وسبب ضلالهم كما هو صريح القرآن الكريم : أنّ الأبدان سوف تُبلى وتتبعّض وتتجزّأ ، ثمّ تكون ذرّات تنتشر كالتراب وهكذا . . . فأجزاء الإنسان سوف تضيع وتضلّ ، وحينئذ بحسب قول الكفّار كيف يمكن أن تُعاد هذه الذرّات التي
--> ( 1 ) راجع بحوث في علم النفس الفلسفي ، السيّد كمال الحيدري ، بقلم عبد الله الأسعد ، دار فراقد ، قم ، ط 4 ، 1428 ه 2007 م : ص 95 ، وما بعدها ( غرر في ذكر الأدلّة على تجرّد النفس الناطقة ) .